التأديب الإيجابي لأجل طفولة سعيدة وصحة نفسية وجسدية أفضل
ليس هناك أطفال سيؤون، بل هناك سلوكيّات سيّئة وحسب
ما هو سبب اختيار التأديب الإيجابي؟
تقول الأستاذة «كلوفر»: "لا يحبّذ الوالدان ضرب أطفالهما أو الصّراخ في وجههم، لكننا نفعل ذلك حين نشعر بالإجهاد ولا نرى أمامنا أيّ وسيلة أخرى". لكنّ البرهان ساطع: الصراخ والضرب بكلّ بساطة غير مجديان وقد يتسبّبان بأذى أكبر على المدى الطويل. وقد يؤثر الصراخ والضرب سلباً في حياة الطفل كلّها حتّى. كما قد يؤدي الجوّ النفسي السّامّ الذي يخلّفه هذا الأسلوب إلى مجموعة من النتائج السلبية كارتفاع خطر ترك المدرسة، والاكتئاب، وتعاطي المخدّرات، والانتحار، وأمراض القلب.
تقول الأستاذة «كلوفر»: "الأمر أشبه بقول أحدهم لك: ‘خذ هذا الدواء، إنه لن ينفعك، بل سيزيد من مرضك’. حين نوقن بأن أمراً ما غير نافع، فإن ذلك يعطينا سبباً وجيهاً للبحث عن طرائق أخرى".
بدلاً من العقاب ومن الأشياء التي لا ينبغي فعلها، يركّز أسلوب التأديب الإيجابي على تنمية علاقة إيجابية مع طفلك وعلى إفهامه ما هو المطلوب منه حيال سلوكه. والبشرى لكلّ أب وأمّ أنّ هذا الأسلوب ناجع وإليكم الطريقة التي بوسعكم استخدامها للبدء بتطبيقه:
خصّص وقتاً للاختلاء بطفلك
تعدّ الخلوة أمراً مهماً لبناء أي علاقة جيدة فما بالك حين تكون العلاقة التي نتحدث عنها هي تلك التي تجمعك بطفلك. تقول الأستاذة «كلوفر»: "من الممكن أن يكون ذلك لعشرين دقيقة في اليوم. أو حتى لخمس دقائق. وبوسعك دمج الوقت هذا مع نشاطات كجلي الصحون سوية وغنائك لأغنية ما، أو التحدّث معه وأنت تنشر الغسيل. بيتُ القصيد هنا هو أنّ اهتمامك يجب أن يكون منصبّاً على طفلك. المهم حقًا هو أن تركز على طفلك. أي أن تطفئ التلفاز، وتغلق هاتفك، وتنزل إلى مستواهم وتختلي بهم".
أثْنِ على أفعالهم الحميدة
غالباً نجد أننا معشر الآباء والأمهات نركّز على هفوات أطفالنا وقد لا نفوّت فرصة للإشارة إليها. وقد يفهم طفلك ذلك على أنه سبيلٌ إلى جذب انتباهك إليه، ما يديم من سلوكياته السيئة بدلاً من أن ينهيها.
لا شيء يعطي الأطفال نشوة كالثّناء، فالمديح يجعلهم يشعرون بأنهم يحظون بحبّ أهاليهم وبأنّهم متميّزون. وتنصح الأستاذة «كلوفر» الوالدين قائلة "ترقّبا صدور فعل حميد عنهم وأثنيا عليه، حتى وإن لم يكن ذلك الفعل سوى لعبهم مع أخ أو أخت لهم لخمس دقائق. فمن شأن ذلك أن يحفّز السلوكيات الحميدة وأن يقلّل من الحاجة إلى اللجوء إلى معاقبتهم".
أفهم طفلك ما الذي تنتظره منه بالضبط
تقول الأستاذة «كلوفر»: "إن إعلامك لطفلك بما عليه فعله بالضبط أجدى بكثير من إعلامك له بما هو ممنوع من فعله. فحين تطلب من طفلك ألا يثير الفوضى مثلاً، أو أن يكون مؤدّباً، فإنك تصعّب عليه فهم ما عليه فعله بالضبط. أمّأ الأوامر الواضحة كـ ‘لملم كلّ لُعَبِكَ لو سمحت وضعها في الصندوق المخصّص لها’ فهي تفهمه تماماً ما هو المطلوب منه، وتزيد من احتمال استجابته لطلبك".
"بيد أن من المهم أن تأمره بالمستطاع. فطلبك منه بأن يبقى هادئاً ليوم كامل مثلاً هو طلب قد لا يطيقه مقارنة بطلبك منه أن يصمت لعشر دقائق لأنك تتحدث على الهاتف. أنت خير من يعلم قدرات طفلك، فلا تطلب منه ما يعجز عنه، لأنه حتماً سيخفق حينها".
ابتكر أساليبَ لتلهيته
تقول الأستاذة «كلوفر»: "حين يَحْرُنُ طفلك فقد يكون إلهاؤهُ بنشاط أكثر إيجابية استراتيجية نافعة. فحين تصرف انتباهه نحو شيء آخر — بتغييرك للموضوع، أو بلعب لعبة، أو بأخذه إلى غرفة أخرى، أو بمشية معه، فإنك تكون قد نجحت في صرف طاقته نحو سلوك إيجابي".
وحسن التوقيت هو أمر غاية في الأهمية أيضاً. إذ يتضمّن الإلهاء كذلك تحسّسَ اقتراب وقوع مشكلة واتخاذ فعل لدرء وقوعها. إن من شأن انتباهك إلى الأحيان التي يبدأ فيها طفلك بالشعور بالتململ، أو النّزق، أو حين ترنو أنظار طفليك معاً إلى ذات اللعبة، أن يساعدك على درء المشكلة قبل حدوثها.
استخدم عواقب هادئة
إن معرفتنا أننا إذا ما أتينا فعلاً فإن شيئاً ما سيحصل نتيجة لذلك هو جزء من التربية التي نتلقاها في صغرنا. تعريف ذلك لطفلك هو عملية بسيطة تشجّع حسن السلوك عنده وتعلّمه المسؤولية في ذات الآن.
أعطِ طفلك فرصة للقيام بما هو صواب عن طريق شرحك له عن عواقب سوء السلوك التي قد تنتظره. فمثلاً إذا ما أردت أن يتوقف طفلك عن الشخبطة على الحيطان، فعليك إعلامه بأن عليه أن يكفّ عن فعل ذلك وإلا فإنك ستنهي وقت اللعب المخصص له. من شأن هذا أن يعطي أطفالك تحذيراً وفرصة لتغيير سلوكهم في آن معاً.
فإن لم يكفّوا، فعليك تنفيذ وعيدك بهدوء وبدون أن تظهر غضبك، "وأثنِ على نفسك لفعلك ذلك لأنّه ليس أمراً سهلاً!" والقول هنا للأستاذة «كلوفر» التي تضيف أيضاً: "أمّا إن توقفوا، فَكِلْ لهم المديح كيلاً. فما تفعله هو أنك تخلق حلقة ردّ فعل إيجابي لطفلك. وقد أظهرت الدراسات نجاعة العواقب الهادئة في تعليم الأطفال عن عواقب سوء سلوكهم".
كما أن الثبات هو عامل مهمّ في التربية الإيجابية، ولذا فإن تنفيذك لوعيدك أمر مهم. وكذلك اتخاذك لعواقب معقولة. "بوسعك مصادرة هاتف مراهق لساعة، لكن مصادرته لأسبوع كامل قد يكون أمراً عسير التنفيذ".
التعاطي مع الأطفال الصغار
إن اختلاءك بأطفالك أمر سيبعث المرح في نفسك، وهو علاوة على ذلك مجانيّ! وتضيف الأستاذة «كلوفر»: "بوسعك تقليدهم تقليداً فكاهياً، أو أن تضرب معهم على القدور (الطناجر) بالملاعق، أو أن تغنّوا سوية. هناك كمية مذهلة من الأبحاث التي تثبت أن لعبك مع أطفالك يساعد على نموّ أدمغتهم".
التعاطي مع الأطفال الأكبر سنّاً
كما هو الحال مع الأطفال الصغار، يحبّ المراهقون أيضاً الحصول على الثناء ويرغبون في أن تكون لهم الحظوة عند أهاليهم. ولذا فإن قضاء وقت منفرد معهم أمر مهمّ بالنسبة لهم أيضاً. تقول الأستاذة «كلوفر»: "يسعد المراهقون جداً حين ترقص معهم في الغرفة، أو حين تدخل معهم في حديث عن مطربهم المفضل. قد لا يظهرون ذلك لك دوماً، لكن هذه هي الحقيقة. وهذه الطريقة ناجحة أيضاً لبناء علاقة معهم على شروطهم هم".
وتقترح الأستاذة «كلوفر» أن "تطلب منهم أن يساعدوك على وضع بعض القواعد حين تشرع في الاتفاق معهم على ما هو مطلوب منهم. أجلسهم وحاول التوصل لاتفاق معهم بشأن المسموح والممنوع في المنزل. وبوسعهم أيضاً أن يساعدوك على تحديد عواقب السلوكيات المرفوضة. إشراكهم في العملية هكذا يساعدهم على معرفة أنك تفهم أنهم قد دخلوا في طور الاستقلال بذاتهم".
نصائح للوالدين خلال فترة جائحة كوفيد-19
لقد أحدثت الجائحة تغييرات مفاجئة وجذرية في حياة العائلات تاركة الوالدين في وسط المعمعة. لذا فإليكم بعض النصائح التي يمكن أن تساعد الوالدين على تجاوز هذه الأوقات العصيبة وأية أوقات عصيبة أخرى:
توقّف برهة
كلنا يعلم حجم التوتر الذي نشعر به حين يغلّبنا أطفالنا. إنّ وعيك بما يجري من حولك في لحظات كهذه وتراجعك خطوة هو تكتيك بسيط ومفيد. اضغط على "زر الإيقاف المؤقت" كما تسميه الأستاذة «كلوفر». "خذ خمسة أنفاس عميقة ببطء وعلى رِسْلِك، وستلاحظ أنك قادر على التعامل مع الموقف بطريقة هادئة ومدروسة أكثر. يقول الآباء في جميع أنحاء العالم إن مجرد التوقف لبرهة أمر مفيد للغاية".
تراجع خطوة
تقول الأستاذة «كلوفر» إن الوالدين غالباً ما ينسيان الاهتمام بنفسيهما: "استقطع بعض الوقت لنفسك، حين يكون الأطفال نائمين مثلاً، لفعل شيء يجعلك تشعر بالسعادة والهدوء. من الصعب حقاً على الوالدين أن يقوما بكل ما ينبغي عليهم القيام به وهما يحرمان نفسيهما من الراحة".
لا تبخل على نفسك بالمديح
تنصح الأستاذة «كلوفر» الآباء والأمهات قائلة: "من السّهل أن تنسى العمل المذهل الذي تقوم به كأب أو أمّ كل يوم، ولذا فعليك ألا تستهين بعِظَم ما تقوم به. خذ دقيقة كل يوم، ربّما أثناء تفريشك لأسنانك، لتسأل: ‘ما هو الشيء الذي أحسنتُ فعله مع أطفالي اليوم؟’ واعلم أنك قد أحسنت صنعاً".
"قد يكون بعضنا ما زال في حالة عزلة وبعضنا الآخر قد خرج منها، لكن اعلم أنّك لست وحدك البتّة. ملايين الآباء والأمهات في جميع أرجاء العالم يسعون جاهدين للتأقلم مع هذا الظرف، وجميعنا قد يخفق في بعض الأحيان. ولكننا نعيد المحاولة. وسنجتاز هذا الظرف مع بعضنا البعض".
كما لو تتحدث مع صديق مقرب عن أمور الحياة: هكذا تشعر حين تنغمس في قراءة المذكرات. كورينا مادورو كاتبة مقالات وقراءات وصاحبة بود كاست “أمينة الكتب” تتحدث لنا هنا عن شغفها بقراءة هذا النوع الأدبي.
***
من أجمل الأمور في القراءة هو اكتشافك على حين غرة كتاب جديد. كتاب لا يمكنك تركه وتنغمس تمامًا في قصته. مثلما حدث معي حين قرأت الجزء الأول “أشياء لم أود معرفتها” من ثلاثية الكاتبة البريطانية ديبورا ليفي. كوني كاتبة مقالات عن الكتب أبحث دائمًا عن كتب مميزة ومعروفة وهذه الثلاثية بألوان أغلفتها: الأزرق، الأصفر والأحمر ظهرت لي فجأة في كل مكان: في متجر كتب، في انستغرام حيث نشرت صديقة قراءة عنها على صفحتها، وفي الصحف حيث قرأت مقالات عن الثلاثية وحوارات مع كاتبتها. وهكذا عرفت ما يكفي لجعلي أضع الثلاثية في أعلى قائمة قراءاتي.
البحث عن الذات
في مساء يوم جمعة جلست على الأريكة وبين يدي الجزء الأول من الثلاثية. وما إن قرأت الجملة الأولى حتى شعرت بأني على صلة وثيقة بالكاتبة. كانت حياة ليفي على مفرق طرق، سافرت إلى ميورقة وأمعنت في مهارتها في الكتابة. وصفت كيفية العيش في جنوب أفريقيا زمن التمييز العنصري. وتحدثت عن اختفاء والدها في السجن بسبب نشاطه معارضًا للتمييز العنصري.وبعد مرور خمس سنوات من اختفاء الأب صمتت الصغيرة ليفي. كان يطلب منها جميع من حولها التحدث بصوت أعلى ليتمكنوا من سماعها. وهكذا ولدت الكاتبة في داخلها حين قررت كتابة أفكارها. انتقلت للعيش في تلك الأثناء إلى بريطانيا واختتمت كتابها محاولةً الشعور بالأمان في ذلك البلاد الجديدة. من المدهش تمكن الكاتبة من رواية قصة مكثفة في مئة وخمسين صفحة. إذ لم تصف الكاتبة تلك المرحلة العصيبة من حياتها فحسب، بل وصفت أيضًا وعلى وجه الخصوص كيفية بحثها عن ذاتها والتمعن في أفكارها من خلال ذكرياتها.
صُنف الكتاب على غلافه بأنه سيرة ذاتية، لكن في مقالات عدّة صُنف على أنه “مُذكرات”. بطبيعة الحال الخط الرفيع الفاصل بين الجنسين الأدبيين لا يمكن تمييزه بسهولة، لأن كلاهما يقوم على قص ووصف شخص ما لمسيرة حياته. ورغم ذلك فأن الفرق بينهما واضح. ففي السيرة الذاتية يعترف الكاتب عاجلًا أم آجلًا ويقول: هذا هو أنا!. أما المذكرات فتطرح تساؤلات من مثل: من أنا!. السيرة الذاتية كاملة تركز على الحقائق؛ من، ماذا، كيف، أين، متى، لماذا وكيف حدث ما حدث في حياة شخص ما. وغالبًا ما تعرض حياة المشاهير والسياسيين والرياضيين والموسيقيين عرض زمني ترتيبي غني بالمعالم والدروس المستفادة حيث يلعب النجاح المهنيّ الدور الأهم. تلقي نظرةً سريعة على حياة قد لا تشبه حياتك ولهذا السبب بالذات تكون السير الذاتية مبهرة وملهمة لك. وفي الوقت ذاته يمكنك سبر غور “الإنسان العادي” الكامن خلف تلك الشخصية العامة في السيرة الذاتية.
التعريف الحرفي للمذكرات هو: الذكريات. القصة فيها غالبًا ما تكون ذات طبيعة استقصائية وتمنح مساحة حرية أكبر للمشاعر والأفكار منها في السيرة الذاتية. يمكنك القول بعبارة أخرى أن المذكرات تتعمق في الدخائل وتسمح للقارئ النظر إليها عن قرب.
حين كتبت ديبورا ليفي الجزء الأول من مذكراتها كانت قد انفصلت عن زوجها للتو وكان يجب عليها تشكيل حياتها من جديد. لذا يطرح الكتاب أسئلة من مثل: من أنا كاتبة وامرأة! أيُّ مكان هو موطني؟ وللإجابة على هذه التساؤلات حفرت عميقًا في ذكرياتها. غالبًا ما تتناول المذكرات الحياة اليومية العادية وتمنح مساحة للحظات الصغيرة. وهكذا وصفت ليفي، على سبيل المثال، جارتها في بريطانيا التي تتحدث إلى كلبها كما لو أنه قادر على الكلام. وتتذكر تفصيل تخبرنا من خلاله عن الكيفية التي تحاول فيها إيجاد مكان لها في هذا العالم.
تلك الكلمات
تساؤلات الحياة التي أمعنت فيها المذكرات تمنح غالبًا شعورًا بالاعتراف. وأذكر هنا على سبيل المثال كتاب “رجل بلا إجازة سوق” للكاتب الهولندي أوك ده يونغ الذي قدم الكاتب فيه ذكرياته عن دروس تعلم قيادة السيارة التي تبعها حين كان في الستين من عمره. تجربته تشبه تجربتي، لأني حصلت على إجازة السوق أيضًا في سن متأخرة. تعلمت قيادة السيارة باتباع دروس مكثفة، وتمكنت في تلك الأثناء من مواجهة نفسي وتغيّرت نظرتي إلى العالم. نتيجة لقراءة ملاحظات ده يونغ أصبحت الأمور أكثر وضوحًا لي. كتب ده يونغ في مذكراته: “المُشاة وركّاب الدراجات الهوائية يمكنهم في أي وقت تقريبًا الانحراف عن تدفق حركة المرور. إنما عند قيادة السيارة عليك السير وفقًا لحركة المرور […] وهذا ما بغضته طوال حياتي، هذا ما قاومته طوال حياتي: الاضطرار إلى السير مع الجموع”. لقد وصف شعورًا لم أجد أنا نفسي كلمات تصفه.
هناك فائض من القصص والمذكرات في متاجر الكتب. ليس في قسم الأدب فحسب، بل وفي قسم كتب الرِّحْلات والطبيعة أو الروايات المصوّرة. كتاب “طريق الملح” للكاتبة البريطانية رينور وين، “الشباب” و”الاستقلال”للكاتبة الدنماركية توفه ديتلوسن، و”الانقياد للموت” لهيلاري مانتل أمثلة على ذلك. المذكرات في الأدب الهولندي قليلة، أذكر منها مقالات الكاتبة ماريا براوس أو مذكرات ريناته دورستَين.
في متاجر الكتب الطلب على كتب المذكرات في ازدياد من قبل الشباب خاصة الذين يبحثون عن وجهات نظر سهلة وشخصية. لأن قراءة مثل هذه الكتب أفضل بكثير من قراءة كتب نظرية عن التاريخ، علم النفس أو التحرير. فمبيعات كتب الكاتبة الفرنسية آني إرنو الحاصلة على جائزة نوبل للآداب عام 2022 جيدة جدًا. لأن الجائزة عززت شهرتها وشعبية رواياتها.
الحياة الأثيرة
من المفهوم أن كتب المذكرات التي تحظى بشعبية كبيرة هي تلك التي تروي قصة شخصية تجعلك تستسلم وتنغمس فيها بسهولة. تجعلك تشعر كما لو أنك تتبادل الحديث مع صديق مقرب حول مجريات الحياة. قصة حياة قد تكون مختلفة تمامًا عن حياتك، لكن يمكنك الاقتراب منها والارتباط بها.
أجابني عالم النفس والكاتب آرتور إيتون على تساؤل إن كان ثمة تفسيرات أخرى لجاذبية كتب المذكرات. وفقًا لإيتون نحن نعيش في زمن حيث القصص الإرشادية قليلة. ثم أن كثير من الناس لا يؤمنون بفكرة الحياة بعد الموت، ولهذا السبب كل شيء في زمننا يدور حول ما نعيشه على الأرض. فنحن ننظر بشغف إلى الحياة اليومية لأننا نود معرفة كيف يقضي الآخرون أوقاتهم. باختصار: قراءة المذكرات تمنحنا الثبات. وحين سألت إيتون إن كان هو نفسه يقرأ كتب المذكرات، فرد بالإيجاب ونصح بقراءة “تقرير إلى غريكو” للكاتب نيكوس كازانتزاكيس، وهو فيلسوف يوناني متجول وروائي وصحفي. “حاول في مذكراته الإمساك بروح المكان الذي سافر إليه، والنظر إلى الناس والأحوال بعين الفيلسوف الدائم البحث عن الكامن تحت السطح.”
ثمة عامل مهم آخر يخص شغفنا بقراءة المذكرات، إلا وهو التفرّد. لقد أصبحنا أكثر شجاعة في التعبير عن مشاعرنا في مواقع التواصل الاجتماعي. بمعنى أننا أصبحنا جميعًا كتابًا في الوقت الحالي. أو كما يقول إيتون: “تُبين المذكرات تعقيدات الحياة، تكشف عمّا في ذاكرتنا وتقلباتها. تُظهر آلام الصدمة وتبعاتها. تُظهر الكيفية التي تسيّرنا بها المشاعر وتغيّرنا.”
هذه الأرض الندية .. هذه الأم الحنون التي تحتضن أحبتها لتعطيهم الدفء والأمان ..
وطني .. هذا الذي يفخر بمن أمسى تحته واحتضنته تربته .. ففي بطن هذه الأرض خير البشر أجمعين .. وحبيب خالق السماوات والأرضين .. وخاتم الأنبياء والمرسلين .. صلى عليه الله في العالمين .. وصحابته الغـر الميامين .. الذين جاهدوا لنصرة هذا الدين .. فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ..
هذا الوطن الذي يفخر بمن أضحى فوقه ومشى على تربته .. فعلى ربوعه ولاة حكموا بما أنزل الله .. وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة .. وكانوا للحرمين خدماً .. ولضيوف الرحمن ندماً .. ولاة حملوا على أكتافهم هموم الوطن والمواطن .. جعلوا أمنه ورفاهيته شغلهم الشاغل .. ولاة أحبوا المواطن فأحبهم المواطن .. ولاة فتحوا أبوابهم وجعلوها مشرعة لكل قاصد .. ولاة جعلوا الأولوية لمن له حاجة .. وسعوا لإرضاء من ليس له حاجة ..
وعلى هذا الوطن .. أناس ملأت الطيبة قلوبهم .. وملأ الوفاق اجتماعهم .. وغطى الأنس حياتهم ..
أناس يعرفون حق الله عليهم فأقاموا أركان الدين .. أناس يعرفون حق الولاة عليهم فأطاعوهم في يقين .. أناس يعرفون حق الوطن عليهم فعمروه بالحب والعلم المبني على الحق المبين ..
تأسست الإمبراطورية المغولية (1206-1368 م) على يد جنكيز خان (حكم 1206-1227 م)، وهو أول خان مغولي عظيم أو «حاكم كوني» تسيّد القبائل المغولية، وقد شكّل جنكيز إمبراطوريته بتوحيده قبائل السهب الآسيوي المترحلة وخلقه جيشًا عظيمًا فعّالًا من الفرسان السريعين الخفيفين المنظمين إلى درجة عالية، فامتدت إمبراطوريته -أخيرًا- في ربوع آسيا من البحر الأسود حتى شبه الجزيرة الكورية.
أثبت المغول أنهم -بخيالتهم ورماتهم- قوم لا يُقهرون، سواء كانوا يحاربون في آسيا الوسطى أو خارجها؛ فهزموا الجيوش في إيران وروسيا وأوروبا الشرقية والصين وغيرها كثير، وقد حكم كل من أحفاد جنكيز جزءًا من الإمبراطورية فكونوا الخانيات (الخاقانيات) الأربع التي كانت أقواها سلالة يوان في الصين (1271-1368 م) التي أسسها قوبلاي خان (حكم 1260-1279). في النهاية، صار المغول جزءًا من المجتمعات الحضرية فذابوا في ثقافة رعيتهم بسهولة وتحول كثير منهم عن معتقداتهم الشامانية التقليدية وصاروا بوذيين تبتيين أو مسلمين؛ فكان ذلك إرهاصًا بفقدان المغول -عامةً- قسمًا من هويتهم الثقافية إضافة إلى براعتهم الحربية، وانشغلت الخانيات الأربع جميعها بالصراع الداخلي حول تولي الحكم وضد جيوش منافسيهم. لم يشتهر المغول بإقامة الصروح العمرانية العظيمة أو بأنظمتهم السياسية، لكنهم -مع ذلك- ساهموا كثيرًا في التقدم الثقافي العالمي حين وصلوا الشرق بالغرب بطرق تجارية منتشرة وبسفارات دبلوماسية وبتسهيلهم حركة المبشرين والرحالة من أوراسيا حتى الشرق الأقصى.
آمنت نُخب القبائل بأن إله السماء الزرقاء «تنغري» قد أعطى الشعب المغولي الحق الإلهي في حكم العالم بأكمله.
رحّالة السهب
كان المغول بدوًا يرعون الأغنام والماعز والخيول والجمال والثيران في السهب الآسيوي، وكانوا قبائل ترتحل مع دوران الفصول وتعيش في مخيمات مؤقتة دائرية الشكل مكونة من خيم اللباد أو خيم اليورت، وكانت ملابسهم عمليةً متينةً توفر الدفء ليتحملوا مناخ منغوليا القاسي عمومًا، فشاع استعمال اللباد المصنوع من صوف الخراف وفراء الحيوانات في ملابسهم التي كانت بدورها شبه متماثلة بين النساء والرجال؛ فلبسوا الأحذية الخالية من الكعوب والبناطيل الفضفاضة والسترة الطويلة الشبيهة بالجلباب (الديل) التي تحتوي على حزام جلدي والقبعات المخروطية التي تغطي آذانهم، بينما كانت ملابسهم الداخلية مصنوعة من القطن أو الحرير.
اعتمد غذاء المغول على منتجات الألبان أساسًا كالجبن واللبن والزبدة وخثارة الحليب المجفف (كُرُف)، وصنعوا شرابًا كحوليًا معتدلًا هو الكُمِس من حليب الفرس وشربوه بكثرة، واصطادوا الحيوانات البرية ليأكلوا لحمها متجنبين أكل لحم قطعانهم الثمينة التي تمدهم بالحليب والصوف وحتى الروث الذي استعملوه وقودًا، وقد جمعوا الفواكه والخضروات من البرية، واعتادوا تنظيم حملات الصيد الخاصة لجمع ما يحتاجون من طعام خلال الشتاء ولأجل الأعياد الخاصة كمناسبة تجمع القبائل بين حين وآخر. في مثل هذه المناسبات اتبع المغول استراتيجيةً دعوها «نَرغة» تطوق فيها الخيالة مساحةً شاسعةً من السهوب لتدفع بالطرائد -التي تشمل كل أنواع الحيوانات من الغرير إلى الذئاب- إلى مساحة أصغر ليصطادها رماة السهام على خيولهم بصورة أسهل. وقد استفاد المغول في حروبهم مما تعوده من أساليب النرغة وطرائق تنظيمها والانضباط الذي تتطلبه، وما يزال بدو السهوب في آسيا يحتفظون -حتى اليوم- بكثير من ملامح حياة المغول اليومية في العصور الوسطى.
في الحياة البدوية عمومًا، يهتم الرجال بالصيد بينما تهتم النساء بالطبخ، لكن تقسيم العمل لم يكن واضحًا دومًا وعادةً ما يستطيع الجنسان القيام بمهام أحدهما الآخر مثل ركوب الخيل واستعمال القوس لإطلاق السهام. رعت نساء المغول الماشية ونصبن المخيمات ورفعنها عند الرحيل، وقدن عربات القبيلة ورعين أطفالهن وحضّرن الطعام واستقبلن الضيوف، وكانت لنساء المغول حقوق أكثر من حقوق النساء في الثقافات الآسيوية المعاصرة لهن، وكان لهن أن يحتفظن بالممتلكات وأن يرثنها، حتى أن بعضهن تولين الحكم بصفتهن وصيات على العرش في فترات فاصلة بين عهود الخاقانات الكبار. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ إذ نشطت المغوليات في مجالات أخرى مثل الدين.
المعتقدات الدينية
لم يكن للدين المغولي كتابٌ مقدس أو طقوس محددة، بل كان خليطًا من الأرواحية (تأليه الحيوانات) وعبادة السلف والشامانية، وجعل المغول أرواحًا لعناصر كالنار والأرض والماء ولمواقع جغرافية مهيبة كالجبال ولظواهر طبيعية كالعواصف، واعتقدوا بقدرة الشامان (رجلًا كان أو امرأة) على التواصل مع هذه الأرواح حين يغشى عليه، وبقدرته -في تلك الحالة- على التنقل في عالمهم يساعد في العثور على الأرواح التائهة والأحداث الإلهية المستقبلية.
واعتنق بعض المغول ديانات أخرى خصوصًا المسيحية النسطورية، ومنذ القرن 14 للميلاد انتشرت بينهم الديانة البوذية التيبتية (اللامية)، وربما يرجع سبب انتشارها إلى عناصرها الشامانية، أما في الخاقانات الغربية فقد اعتنق معظم المغول الدين الإسلامي. أهم ما في الديانة المغولية هو الاعتقاد بإلهين رئيسيين: الأرض أو الإلهة الأم «إيتوغين» التي مثلت الخصوبة، والسماء الزرقاء (السماء اللامتناهية) أو الإله الأب الحامي «تينغري» (غوك مونغي تينغيري) الذي أعطى لأمة المغول -حسب اعتقاد نخبة قبائلهم- الحق المقدس في حكم العالم بأسره، وهو الحق الذي استغله جنكيز خان وخلفاؤه أبشع استغلال حين فتحوا معظم قارة آسيا صانعين أكبر إمبراطورية شهدها التاريخ حتى وقتهم.
وسع جنكيز خان أراضي مُلكه بمزيج قاسٍ من الدبلوماسية والحرب والإرهاب.
التأسيس على يد جنكيز خان
كانت القبائل المغولية المتنقلة التي اعتادت على الحياة القاسية حينئذ قادرة على التحرك السريع ومدربة -منذ نعومة أظافر أبنائها- على ركوب الخيل ورمي السهام، وجعلت هذه المزايا المغولَ محاربين أشداء قادرين على القيام بحملات عسكرية طويلة ومعقدة تغطي مساحات واسعة في وقت قصير وبأقل قدر ممكن من الإمدادات، وحتى مهام النساء ودَورهن في نصب المخيمات والنقل ساعدت الجيش المغولي إذ وفرت النساء لأزواجهن المحاربين ما يحتاجون من دعم لوجستي.
ربما كان جنكيز خان أول قائد مغولي يدرك قدرة أمته على حكم العالم إن توحدت عشائرهم وقبائلهم المختلفة. لقد ولِد جنكيز (كان اسمه تيموجين عند الولادة) نحو 1162 م، وتغلب على طفولة قاسية من الهجر والفقر حتى أثبت نفسه قائدًا عسكريًا تابعًا لزعيم قبيلة كيرايت «توغريل». سرد قصةَ جنكيز كتابُ «التاريخ السري للمغول»؛ وهو سجل من القرن 13 للميلاد يُعد أفضل مصادرنا الأساسية عن الإمبراطورية المغولية المبكرة. صار جنكيز -في غضون 10 سنوات، بين 1195 إلى 1205- قائدًا لا يسوده أحد، فوسع من منطقة نفوذه تدريجيًا بمزيجٍ قاسٍ من الدبلوماسية والحرب والإرهاب، وقد وضِع معظمُ المحاربين أمام خيار الانضمام للقائد الشاب أو الإعدام. أجبرت قبائل كالتتار (وهو الاسم الخاطىء الذي استعمله الغربيون في العصور الوسطى للإشارة إلى المغول) والكيريد والنيمان والميركيد على الخضوع، وفي 1206 م ضم اجتماع عظيم (كورولتاي) كل قادة القبائل فاعترفوا رسميًا بجنكيز خان خاقانًا عظيمًا أو «حاكمًا كونيًا» يحكم أمة المغول.
حاول الخان توحيد مملكته أكثر بإصراره على كتابة اللغة المغولية حصرًا بحروف الترك الأويغور، وبإصداره شريعة قانونية أبدية هي الـ «ياسا» (الياسق)، هذا وقد تحسنت الاتصالات كثيرًا بتأسيس الـ «يام»؛ وهي شبكة من محطات متعاقبة يستعملها السعاة للتزود بالمؤونة حين يتنقلون عبر البلاد. وهكذا بدأت الإمبراطورية بحماس وسرعان ما نمت وكبرت وتوسعت.
التوسع: شمالي الصين وبلاد فارس
وصل قادة القبائل المغول إلى مراكزهم وحافظوا عليها عادةً عن طريق توزيع غنائم الحرب بين أتباعهم المخلصين، ولم يكن جنكيز مختلفًا عنهم في ذلك. تأسس الجيش المغولي حول لب مكون من 10000 مقاتل يشكلون حرس الخان الخاص (الكيسكتين)؛ وحظي أعضاء من هذه النخبة بمراكز إدارية مرموقة عبر الإمبراطورية، أما القوات الإضافية فقد جُنِّدت إلزاميًا من بين أفراد القبائل المغولية وعن طريق تشكيل فرق من مقاتلي الحلفاء والأراضي المفتوحة. كان أهم الأسلحة الهجومية هو سلاح الخيالة الخفيفة براكبي خيولها الخبراء بإطلاق السهام من أقواس المغول المركبة المشهورة بقوتها، وكانت الخيول قيّمة لقوة احتمالها وجلادتها، ولكثرة عددها أيضًا التي وفرت للخيالة حتى 16 حصانًا احتياطيًا، ما أعطى الجيش قدرة هائلة على التنقل عبر المسافات الكبيرة بسرعة عظيمة.
كان أول أهداف جنكيز بعد تنصيبه خانًا أعظم هو دولة شين (1115-1234 م) شمالي الصين، ونجحت سرعة الخيالة المغول ووسائل الإرهاب التي اتبعوها حين استولوا على المدن نجاحًا بالغًا حتى اضطرت سلالة شين الممزقة إلى الانسحاب جنوبًا، وزامن الهجوم على شين استهدافُ دولة التانغوت «شيا الغربية» (1038-1227 م) الواقعة شمالي الصين أيضًا، التي فشلت كذلك في إيقاف تقدم جنكيز العنيد عبر آسيا الشرقية. كان ثالث أهداف المغول في تلك الحقبة هو سلالة سونغ الصينية (960-1279 م)، التي كانت أكثر ثراءً وأعظم قوة من جيرانها، حتى أنها استطاعت الاستمرار رغم احتلال جنكيز لكثير من مدنها، لكن وقت سقوطها كان سيحين فيما بعد. وبحلول سنة 1219 م كان جنكيز قد هاجم حتى كوريا الشمالية في مطاردته قبائل الخيتان المثيرة للمشاكل والتي لجأت إليها.
لينال لقب «الحاكم الكوني» بجدارة، حول جنكيز انتباهه الآن نحو غربي آسيا، فبدأ هجومه على الإمبراطورية الخوارزمية سنة 1218 م، حين توجه جيش مغولي مكون من مئة ألف مقاتل نحو المنطقة فمسحها مستوليًا على مدن مهمة كبخارى وسمرقند، وفي 1221 وصل المغول إلى شمالي أفغانستان، وفي السنة التالية هزموا جيشًا روسيًا في كالكا قبل أن يحيطوا ببحر قزوين في طريق عودتهم إلى بلادهم. وقد أطلق مسلمو المنطقة على جنكيز لقب «الملعون»، فقد مسح مدنهم وذبح المدنيين ودمر حتى أنظمة الري. انقلب العالم الآسيوي رأسًا على عقب في أقل من عقدين، ثم مات جنكيز خان بتاريخ 18 آب 1227 م بسبب مرض غير معروف، لكن خلفاءه سيحرصون على استمرار النظام العالمي الجديد بعد وفاة مؤسسه.
أوقطاي خان يهاجم أوروبا
أصدر جنكيز أمرًا بتقسيم إمبراطوريته بين أولاده الأربعة: جوتشي (جوكال) وجغطاي (جاغطاي) وتولي (تولاي) وأوقطاي، ليحكم كل منهم خانية من الخانيات (خاقانية من الخاقانيات)، لكن جوتشي مات عام 1227 م قبل وفاة والده، وأصبح أوقطاي خانًا عظيمًا (حكم 1229-1241 م) أي حاكمًا للمغول بأسْرِهم، واستمرت الإمبراطورية الموحدة بالوجود حتى 1260 م حين صارت كل خانية من الخانيات الأربع مستقلة بنفسها تمامًا (كما سيرد ذكر ذلك).
عزز أوقطاي من جهاز الدولة المغولية بتعيينه وزراء وأعضاء من الحرس الإمبراطوري حكامًا محليين (داروقاتشي)، وإجرائه إحصاءً سكانيًا، وفرضه ضريبة منظمة مناسبة (بعكس ما ساد قبله من ممارسة مصادرة الممتلكات)، وفي 1235 م اختار عاصمةً له هي كاراكوروم (قراقورم) بمنغوليا، وقد شهد عهده توسع شبكة اليام (البريد) وحُميت الآبار على مر طرق التجارة ومُنح المسافرون من التجار حماية عسكرية.
أما من ناحية الفتوحات فقد أكمل أوقطاي من حيث انتهى سلفه، وبمساعدة القائد العسكري الموهوب سوبوتاي (تسوبودي، 1176-1248 م) الذي عُرف بوصفه أحد كلاب صيد الخان الأربعة، أطلق أوقطاي حملة على شين في 1230\1231 فسقطت عاصمتها «كايفنغ» سنة 1233، أما حملة سنة 1234 فقد أدت إلى انتحار إمبراطور شين «أيزونغ» (حكم 1224-1234 م) وانهيار دولة شين النهائي، وقد غُزيت كوريا مرارًا وتكرارًا في هذه المرحلة الزمنية أيضًا.
إعادة إنشاء شكل محارب مغولي
William Cho (CC BY-SA)
ونظم سوبوتاي -منذ 1235 م- الحملة العسكرية عبر أواسط آسيا فسقطت أمامه مدن مثل تبليسي (تفليس)، وفي الفترة 1236-1242 م زحف جيش تعداده 150 ألف رجل؛ موزعين في خمس فرق، عبر كازاخستان وأوزبكستان ليهاجم أوروبا الشرقية حول نهر الفولغا فانتصر على البلغار والروس والبولنديين والهنغاريين في حملات عديدة، ولأن الناس لم يعرفوا مصدر قدوم خيالة المغول عادةً فقد أطلقوا عليهم لقب خيالة الشيطان، وقد سقطت أمامهم مدن كييف (سنة 1240) وكراكاو (1241) وبودا وبيست (1241) فنهبوها جميعًا. يبدو أن موت أوقطاي، لا غير، سنة 1241 م هو الذي أنقذ أوروبا من توغلات أخرى إذ رغب قادة المغول -عند سماعهم نبأ الوفاة- بالرجوع إلى قراقورم لينتخبوا خانًا جديدًا، وكان الخانان اللاحقان هما جيوك خان (غويوك خان، حكم 1246-1248) ومونكو خان (حكم 1251-1259) توسط حكمَهما حكمُ الأوصياء على العرش، لكن الذي أظهر طموحًا كبيرًا فنقل الفتوحات المغولية إلى مستوى جديد تمامًا هو قوبلاي؛ حفيد جنكيز.
قوبلاي خان يهاجم الصين واليابان
حكم قوبلاي خان المغول بين 1260 و1294 م، لكنه كان قد أثبت نفسه قبل ذلك حين شارك في حملة مونكو خان ضد دولة سونغ في الصين. اضطر قوبلاي أن يخوض الحرب ضد أخيه الأصغر أريك بوك (1219-1266) لحيازة منصب الخان الأعظم، وانتصر قوبلاي رغم أن الإمبراطورية انقسمت إلى أربعة خانيات فعليًا فاحتفظ بأغناها. كان قوبلاي يطمح إلى لقب أكثر تميزًا هو «إمبراطور الصين» لذلك هاجم دولة سونغ مجددًا ولكنه استعمل -هذه المرة- أسلوب حصار المدن ودكّها بالمنجنيقات المتطورة التي انتقلت معرفتها إلى المغول من مناطق غربي آسيا، فسقطت المدن أمامه تباعًا لأكثر من 11 سنة حتى فتح العاصمة «لِن آن» (هانغتشو الحالية، والخنساء عند الرحالة العرب) في 28 آذار 1276 م، وبفتحها سقطت سلالة سونغ. وفي 19 آذار 1279 انتصر في معركة بحرية عظيمة عند يايشان (يامن) قرب ماكاو حاليًا فضرب مثالًا جديدًا على تكيف الجهاز الحربي المغولي، وبهذا الانتصار قُضي تمامًا على آخر مقاومة أبدتها دولة سونغ. فهزم قوبلاي البلاد التي حلم بهزيمتها جميع بدو السهوب الذين سبقوه: دولة الصين العظيمة الثرية.
أعلن قوبلاي نفسه إمبراطور الصين في 1271 م واستهل حكم سلالة يوان (التي تعني الأصل أو المركز)، وصارت دايدو (بكين الحالية، أو خان بالق عند العرب تاريخيًا) عاصمته الجديدة مع احتفاظه بزانادو (شانغدو) في الشمال الشرقي بصفتها عاصمةً الإمبراطور الصيفية. مثلما كان فاتحًا شديد البأس كان قوبلاي إداريًا قديرًا، نظم دولته الهائلة الحجم في 12 مقاطعة وشجع التجارة بفرضه رسومًا ضريبيةً تحابي التجار وإصداره نقودًا ورقية وتحسينه شبكة الطرق والقنوات لنقل البضائع بسهولة. لكن قوبلاي لم يرضَ بذلك بل شنّ حملتين على اليابان في 1274 و1281 لقيتا الفشل بسبب المقاومة المحلية الصامدة والعواصف الرهيبة التي يطلق عليها اليابانيون اسم كاميكازي (الرياح الإلهية)، ومع ذلك لم يَهَب قوبلاي الفشل بل شن سلسلة هجمات على جنوب شرق آسيا حين غزا فيتنام (1257 و1281 و1286) وبورما (1277 و1287) وجزيرة جاوة (1292)، لم تكن نتائجها إلا خليطًا من الربح والخسارة، وبدا أن إمبراطورية المغول قد وصلت قمتها ولن يشهد القرن 13 للميلاد منذ الآن إلا انحدارها.
خانيات الإمبراطورية المغولية الأربع
Arienne King (CC BY-NC-SA)
الخانيات والانحدار
بينما انشغل الخانات العظماء بالجزء الشرقي من الإمبراطورية المغولية، سارت الأجزاء الوسطى والغربية في طريقها الخاص. أسس باتو خان (ت 1255 م) حفيد جنكيز خانية القبيلة الذهبية المتمركزة في وسط السهب الأوراسي نحو 1227 م، واستمرت أكثر من باقي الخانيات المغولية حتى قُضي عليها رسميًا سنة 1480، مع أن الروس والليتوانيين استعادوا نشاطهم منذ منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، بينما أسس هولاكو (ت 1265 م)، وهو حفيد آخر لجنكيز، خانية الإلخانية المتمركزة في بلاد فارس نحو 1260 م، واستمرت مهددة من قِبل جارتها الجنوب شرقية: سلطنة المماليك (1261-1517 م)، قبل أن تتفكك عام 1335 بسبب النزاع على الحكم. وأخيرًا أسس أبن جنكيز الثاني «جاغطاي» (1183-1242) خانيته الخاصة التي ستبقى أكثر الدول مغولية حيث أثبتت الجذور البدوية صعوبة اقتلاعها، لكنها انهارت كذلك بسبب الصراع على الحكم عام 1363 م.
استمر القتال مستعرًا بين الخانيات الغربية الثلاث في نزاعات حدودية، وسوف تتبنى كل خانية منها الإسلام دينًا لها في النهاية، ما سيضيف سببًا آخر للخلاف بين النُخب. وأخيرًا سيستولي تيمور (تيمورلنك) مؤسس الإمبراطورية التيمورية (1370-1507) على أراضي الخانيتين الإلخانية والجاغطاي. استسلمت حتى يوان الصينية للحروب الأهلية المألوفة التي أشعلتها مجموعات منافسة، وباقتصاد ضعيف تحاصرها المجاعات والثورات المحلية سقطت يوان أمام سلالة مينغ التي حكمت الصين عام 1368 م؛ ففي النهاية صار المغول جزءًا من المجتمعات الحضرية التي كانوا قد فتحوا أراضيها من قبل بسهولة بالغة، ما جعلهم عرضة -كأي دولة أخرى- للسقوط أمام أولئك الذين شاءوا تبني الأفكار والتقنيات الجديدة.
التراث المغولي
ربما لم يُتعب المغولُ أمناءَ المتاحف المعاصرين بقطعهم الفنية وربما لم يتركوا صروحًا أنيقة بديعة، لكنهم تركوا تراثًا خالدًا بطرق أخرى. وقد يكون أعظم تأثير تركوه على الثقافة العالمية إقامتهم أول خطوط اتصال جدية بين الشرق والغرب؛ فالإمبراطورية المغولية التي كانت أكبر إمبراطورية برية متلاصقة حتى وقتها بامتدادها عبر خُمس أراضي الكوكب وبجنودها الذين كانوا يقاتلون فرسان التيوتون في طرف ويواجهون محاربي الساموراي في الطرف الآخر، ولم يكن أيًا من الساكنين عند الطرفين يعرف بوجود الآخر، هذه الإمبراطورية هي التي وصلت الطرفين ببعضهما. فالصينيون والأوروبيون حينها رأوا في أراضي الآخر مكانًا شبه أسطوري مسكونًا بالوحوش، لكن السفراء والمبشرين والتجار والرحالة -كماركو بولو (1254-1324)- كانوا يُشجَّعون للسفر عبر آسيا بحُريّة، فازداد التواصل وانتشرت الأفكار والأديان، حتى صار البارود والورق والطباعة والبوصلة أمورًا مألوفة في أوروبا. وقد نشر المغول أفكارًا تختص بالمطبخ أيضًا، كطريقة صنع السولين (الشولين)؛ وهو حساء ثريد مغولي ما زال منتشرًا في ربوع آسيا حتى اليوم. لكن كانت هناك -للأسف- عواقب ضارة أيضًا لهذا الاتصال، كالموت الأسود (1347-1352) الذي انتقل أولًا من جيب في الصين البعيدة إلى البحر الأسود ومنه إلى البندقية وباقي أنحاء أوروبا. أما في منغوليا، فما زال الناس يذكرون الإمبراطورية بإعزاز باعتبارها حقبة ذهبية، وما زال مؤسسها جنكيز خان يُكرم في احتفالات منتظمة في عاصمة منغوليا الحديثة «أولان باتور».