هاري موليش
لكل كاتب طريقته الخاصة في الكتابة. البحث عن هذه الطريقة له علاقة مباشرة بموهبته. كلما كانت الطريقة مبتكرة، أصبح الكاتب مُبتكِراً.
أكتب عدد من الجمل، أنقحها، وأكتبها من جديد. ثم أشطبها وأبدأ من جديد. إذا لم تعجبني كلمة، أشطبها، وأكتب أخرى فوقها. وبعد ذلك: أتأملها، أقرأها مرة أخرى، وأتأملها. يمكن أن أجلس لثلاث أو أربع ساعات متسائلاً إن كنت سأضع نقطة أو فارزة منقوطة. ولهذا السبب بدأت كتابة الشعر في سن متأخرة.
أن أكتب صفحة واحدة في اليوم، أمر استثنائي، عندها أكون قد بذلت قصارى جهدي.
كتبت بالقلم. ليس بقلم الحبر السائل (وحدهم الرجعيون الفاشيون الأوائل كتبوا به) كنت في السادسة من عمري حينئذ، في عام 1933، العام الذي اعتلى فيه هتلر السلطة، هذا صحيح تماماً. لا، أنا أكتب بأقلام حبر باهظة الثمن. أجد أن قلم الحبر شيء جميل، لذا أشتري واحداً بانتظام. لدي دائماً ذريعة لشراء قلم جديد. على سبيل المثال؛ إذا انتهيت من رواية، عندها أقول لنفسي: أنت تستحق قلم حبر.
عن طريق هذا النوع من الهراء أقلل شعوري بالذنب. لدي كراهية فظيعة للالآت الكاتبة. حتى الوثائقيات والكتابة الصحفية اكتبها بقلم الحبر. أولاً لأني أنقح كثيراً، ولهذا مثل هذه الآلة غير عملية. عليك التراجع ثلاثة أسطر والنقر، وبين جمل النص تحشر جملتك الجديدة. خط بسيط بالقلم يكلفك جهداً أقل. غير أن الأهم هو أن المسافة بينك وبين الورق كبيرة جداً عند استخدام الآلة الكاتبة. تمسك القلم بيدك، يصبح القلم ساخناً. القلم يصبح ساخناً مثل دمك على الورق، وهذا ما يجب أن يحدث معك. يمكنني مباشرة معرفة إن كان الكتاب قد كُتب باليد أو على الآلة الكاتبة. أَملى ديستوفسكي كتبه، لو كان حياً الآن، لكتب على الآلة الكاتبة. اقرأ ديستوفسكي لأن ثمة عنفاً هائلاً في كتبه قد أطلق له العنان، ظل رائعاً، لكنك ترى أن ذلك العنف قد كُتب بعفوية.
تولستوي كتب كتبه بنفسه، بالنسبة لي تولستوي أعظم من ديستوفسكي. يمكنك مقارنة الكتّاب بالمؤلفين الموسيقيين. الموسيقي سيسمع على الفور ما إذا كانت القطعة الموسيقية قد أُلفت على البيانو أم على طاولة الكتابة. عادة ما تكون السيمفونيات المؤلفة على طاولة الكتابة هي الأفضل. القلم الجاف أجده أداة أقل قيمة؛ القلم الجاف للنوادل وليس للكتّاب. مع القلم الجاف لا يمكنك أن تحدث أي فارق بسيط في السطر. ليس لأني أكتب بخط اليد ولكن لأني أريد كتابة خط رفيع في مرة وخط عريض في مرة أخرى. الخط بقلم الجاف له ذات العرض الغبي من ثلاثة أرباع المليمتر دائماً. أما قلم الرصاص فلم تُقدر قيمته بعد.
المقطع الذي أكون غير واثق منه، أكتبه بقلم الرصاص. قلم الرصاص HB الحقيقي. على سبيل المثال: إذا أردت لعاصفة أن تهب، وفي ذات الوقت وجدت أنها مبالغة، لإاني أكتب مثل هذه الفقرة بقلم الرصاص. يمكنني استخدام قلم الحبر وشطب تلك الفقرة فيما بعد بطبيعة الحال، لكنها ستظل على الورق. علاوة على ذلك، يصبح الورق أسوداً وقذراً، بينما القصد أن يبقى النص مقروءاً. وتجنباً لذلك أكتبها بقلم الرصاص، وإذا لم تعجبني هذه الفقرة بعد أسبوع، فسوف أمحيها. وبهذا يعود الورق نظيفاً، والعاصفة لن تهب مطلقاً.
قبل أن أشرع في كتاب، أبذل الكثير من الوقت في الإجابة على الأسئلة التالية: أي ورق سوف أستخدم، على أي طاولة كتابة سوف أكتب وبأي قلم. أعددتُ في أدراج مكاتبي مكتبة قرطاسية، أستطيع الاختيار من بين عشرات أنواع الورق، من مختلف الأحجام، من الدفاتر، والدفاتر الصغيرة ودفاتر التدوين، ودفاتر الملاحظات، ورغم ذلك أقرر شراء ورق جديد. أثناء رحلتي إلى طوكيو اشتريت أربعة دفاتر مع ورق ناعم مصفّر. أربعة، يبدو لي عدداً مناسباً، لا أشتري الكثير من الورق، وإلا سألتزم باستخدامها لفترة طويلة. جلبت معي من سويسرا كومة من ورق الرسم البياني، ورق من نوعية ممتازة؛ أفضل الورق البياني السويسري على الفرنسي. يمكنك أيضاً شراء أنواع مختلفة من الورق البياني في فرنسا، غير أنه ورق خشن وسميك وغريب. الورق البياني السويسري ناعم ولونه أزرق فاتح. في ألمانيا الغربية اشتريت عشر دفاتر مدرسية، دفاتر صغيرة مع غلاف أزرق قاس. يوجد في الدُرج الأعلى من ذلك المكتب عدد من دفاتر التدوين جاءت من الصين الشعبية. ودفاتر تدوين رائعة مع غلاف أسود من الورق المقوى السميك، اشتريتها من متجر باينكورف؛ الورق من نوعية جيدة، سميك جداً؛ في أعلى الصفحة خط أحمر متموج صغير ورقيق.
حجم الورق مهم أيضاً. في حالات معينة، ينبغي أن يكون الورق كبيراً وعريضاً، حتى يكون لدي مساحة كافية في الحاشية لكتابة التعديلات، وفي حالات أخرى أُفضل الحجم الصغير. في الوقت الذي أكون فيه مشغولاً بكتابة عمل فلسفي استخدم ورقاً عريضا طويلا حتى أتمكن من الخربشة في الحاشية.
أكتب القصائد في أوراق مطويّة. أقوم أحياناً بصنع الورق بنفسي. ورقة حجم A3. وهي ضعف الورقة من حجم A4. A4 هو الحجم الأساسي الحالي، سابقاً كان الربع (العريض والقصير) والثمن (الطويل والضيق). إذا وضعت ورقتين حجم A4 إلى جانب بعضهما ستحصل على A3؛ ورقة طويلة وعريضة. إنه الحجم المناسب لأعمالي الفلسفية. مجموعتي القصصية “الهواء العتيق” على سبيل المثال كتبتها على ورق بياني. تدور قصصها حول التماثل (عنوان إحدى القصص “التماثل” أيضاً) ولهذا أجد أن الورق البياني مناسب تماماً للكتابة. تحدثتُ في كتبي عن مثل هذه الأمور غير الدقيقة في كثير من الأحيان، بوجوب التعامل معها بدقة شديدة. لهذا أُعد المخططات والجداول وأفضل الكتابة على الورق البياني.
تولد القصة أو الرواية من صورة غير واضحة. أظن أن كتابي القادم (بعد عملي على كتاب فلسفي) سيكون رواية. أعرف أن أحداثها ستدور في منزل معين، حيث يسكن فيه شخصان. عجوزان. نوع معين من الناس، ولا أعرف أكثر من هذا.
أدون الملاحظات على بطاقات في كثير من الأحيان. وحين يكون لدي كومة من البطاقات، أعد مخططاً. في الماضي كنت أكتب ذلك المخطط بالطباشير على سبورة. إلا أن أطفالي قد انتزعوا السبورة مني، لذا أكتبه الآن على الورق.
أعدل ذلك المخطط لأربع أو خمس مرات. ويحل محله مخطط آخر مرة بعد أخرى على النحو التالي: في مخططي يدهس الترام السيد “أ” في الفصل الثالث، وعندما أصل إلى الفصل الثالث، أفكر في أن السيد “أ” لن يدهسه الترام، بل سيتزوج. حينئذ يُهرس كل المخطط، ويجب أن يحل محله مخطط آخر. علاوة على ذلك يجب أن أعبث في الفصول الثلاثة الأولى لأني كتبتها وفقاً لمعلومة أن السيد “أ” سوف يموت، يجب أن أكتبها من جديد وأغيّرها جذرياً. الكتب التي لا تعتمد على مخطط هي رخويات. الرخويات مخلوقات خلقها الرب أيضاً، لكني أُفضل الثدييات. يجب أن يكون للكتاب هيكلاً عظمياً، من وجهة نظري. هذا الهيكل يجب أن لا تراه بوضوح، يجب أن يكون غير مرئي، لكن وجوده واضح. ثمة خطوط ينبغي وضعها في الكتاب، وإلا تكون الرواية بلا ملامح. فحين رسم ريمبرانت “حُرّاس الليل” لم يضع بضعة رجال إلى جانب بعضهم. كما اكتشف مؤرخوا الفن عدد هائل من الخطوط في اللوحة. لابد أن تكون تلك الخطوط موجودة ولها علاقة مباشرة بالعمل الإبداعي لتلك اللوحة.
أحب المعدات (العُدّة)؛ أقلام الحبر، الفراجير، الكثير من الغلايين، قلم مع حبر أحمر، وجميع أنواع الورق. هذا هو الجانب الطفولي من الكتابة. كل الكتّاب لديهم شيء طفولي؛ فكرة أنك تستطيع فعل شيئا ما مع الواقع، عدا الحصول على المال، وفكرة أنك تستطيع إضفاء شكل على الواقع؛ ذاك هو وهم الأطفال. الأطفال عباقرة، ليس فيما ينتجونه، بل في نظرتهم إلى العالم. الكتّاب (والرسامون والمؤلفون الموسيقيون) لديهم شيء من عدم النضج، على نحو إيجابي، فهم دائماً ما يتزوجون من الفتيات الشابات، ولا يتزوجون من النساء البالغات مطلقاً.
أثناء الكتابة أوثّق نفسي بالتفصيل. ليس قبل الكتابة. يجب أن تُوجد القصة أولاً. بعد ذلك، لنقل: في منتصف الطريق، أبدأ بتوثيق نفسي. فحين كنت منشغلاً بكتابة “حجر فراش الزوجية” قرأت عشرات المذكرات لطيارين حربيين. درست استراتيجية القصف الجوي، وقرأتُ كتباً عن مدينة درسدن. وزرتُ المدينة بالطبع، وتجولت في متاحفها لأيام، وكتبت مئات الملاحظات. جمعت الكثير من المعرفة في وقت قصير، وفقدتها الآن من جديد؛ حين ينتهي الكتاب أنسى كل شيء. ينبغي أن يحدث هذا، وإلا أصاب بالجنون. الفتاة في رواية “امرأتان” جاءت من پتن، لم أكن قد كتبت أسم “پتن” بعد، وكنت أتجول في السيارة بالفعل. وأنظر. عندئذ رأيت قرية لا تشبه تلك التي تخيلتها. السد: جدار حجري. والفتاة تسكن بالقرب من البحر، لكنها نادراً ما ترى البحر. ترى ذلك السد فحسب، ذلك الجدار الحجري. حقيقة صغيرة، غير أنها حاسمة في فترة الشباب.
في الكثير من الروايات الحديثة لا يتم ذكر العمل الذي يقوم به البطل ليحصل على لقمة عيشه. وهذا له علاقة مباشرة بمهنة الكتابة. الكاتب يعيش حياة برجوازية. هو لا يعلم كيف يعيش الذين يعملون لدى شركة فيرولمه لصناعة السفن. لهذا يختار غالباً لبطله مهنة تتفق معه. أو يسمح لبطله بالسفر. كثرة السفر في الروايات والقصص ليس من قبيل الصدفة. لأن ما أن يصل المرء إلى الحدود حتى يصبح حراً. عندئذ لست بحاجة إلى منحه مهنة.
الكتّاب الذين يجدون الكتابة عملاً كريهاً ـ عدا حين يكون الكتاب جاهزاً ـ ليسوا كتّاباً. هؤلاء هم الذين يريدون كتابة كتب جيدة وتبني الوضع الأجتماعي للكاتب. أنا أجد الكتابة عملاً جميلاً، وأجده فظيعاً في بعض الأحيان بطبيعة الحال، لكن هذا أيضاً هو أجمل ما في مهنة الكتابة. لأن الجهد جزء من المتعة. فحين ينتهي الكتاب أودعه بحزن. آه نعم، وأفتح زجاجة شمبانيا. غير أني أشعر بالأسف لأتمامه. لقد انتهى. إنه الحنين؛ فالكتاب لا يُنجز بين ليلة وضحاها بالطبع. عليك أن تنقر النص على الآلة الكاتبة، وتجهز النسخة للطباعة، وحينئذ تنتهي من العمل. تماماً مثلما يحدث مع آخر يوم من الأجازة؛ حزمت الحقائب، وعلى وشك التوجه إلى المنزل. تُرسل المسودة إلى الناشر إذا كنت راضياً عنها بنسبة مئة بالمئة؛ لا يوجد نقطة أو فاصلة ليست في مكانها الصحيح. وعندئذ تقول لنفسك بصعوبة، يجب أن أتخذ القرار: ثمة خطأ هنا. من جانب آخر لا ينبغي أن تمضي وقتاً طويلاً في تهذيب النص، لأنك بهذا تقتله. لذا يجب أن تجد توازناً مناسباً.
عندما ترسو قصة أو رواية في ذاكرتي، يحدث أحياناً أن أواجه فقرة في مكان ما تغيرت الفاصلة المنقوطة فيها إلى فاصلة، أو أن علامة التعجب قد حُذفت. حتى لو أني كتبت ذلك السطر منذ عشرين عاماً. ففي النسخ المعاد طباعتها لا أغير شيئاً على الإطلاق، ما عدا رواية آرشيبالد ستروهالم؛ شطبت فقرات كاملة من الرواية، ذاك أنها روايتي الأولى.
أثناء وجبة العشاء أشرب نصف زجاجة من النبيذ، وفي المساء تفرغ هذه الزجاجة. أكتب مساءً على نحو أكثر سلاسة وسهولة. إذ يمكن للكحول أن تساعد على الكتابة، رغم أني أشطب ما كتبته أحياناً في اليوم التالي.
لا يمكنك القول أن الرواية هي نتيجة 30% موهبة و70% من العمل الدؤوب. حقيقة أنك مستعد للعمل بجد لكتابة ورقة واحدة هي ما تشكل موهبتك. لا تستطيع القول أن هذا الرجل لديه موهبة لكنه كسول، بل هو ليس لديه موهبة لأنه كسول.
أحياناً لا أتمكن من الكتابة. حينئذ لا أفعل شيئاً، لا شيء على الإطلاق. لا أقرأ كتاباً، لا شيء. وأتسكع قليلاً. يمكن لهذا الحال أن يستمر لشهور، رغم حدوثه في السابق أكثر من الوقت الحاضر. ففي السنوات الأخيرة أجلس في مكتبي ساعة على الأقل كل يوم. يصاب الكثير من الكتّاب بالذعر إذا لم يتمكنوا من الكتابة. ديستوفسكي على سبيل المثال؛ كان يخشى دائماً عدم تمكنه من الاستمرار في الكتابة بينما لم يكن هناك أي سبب لذلك، كما اتضح لاحقاً. لا أصاب بالذعر إطلاقاً، لأني أعرف بأني سأتمكن من الكتابة من جديد. الذعر يعيق الكتابة، كما أظن.
ثمة روايات لم أتممها. هناك على الأرض مسودة لم تكتمل من رواية “اكتشاف موسكو”. عملت طوال عامين على كتابة هذه الرواية، إلا أني لم أجدها جيدة. لذا تركتها جانباً وبدأت بعمل آخر. في وقت لاحق عدت للعمل عليها، لأصلح ما أنجزته خلال تلكما العامين؛ عملت بجد لشهور دون نتيجة. وفي النهاية توقفت عن الكتابة.
ثمة الكثير من مثل تلك الإخفاقات. لو أني لم أخاطر في كتاباتي، لن يحدث ما حدث معي.
كلما تقدمت في السن تصبح الكتابة أكثر صعوبة. هناك نوعان من الكتّاب؛ النوع الأول يكتب دائماً الكتب نفسها (مثل كافكا) والنوع الثاني يريد كتابة كتاب جديد في كل مرة (مثل غوته). أنا أنتمي إلى النوع الثاني، ولهذا تصبح الكتابة أصعب.
أسمع غالباً من يقول: “يجب أن تكتب رواية مثل “حجر فراش الزوجية” أو “امرأتآن””. حسناً، لقد كتبت هذين الكتابين بالفعل ولا أحتاج إلى كتابتهما مرة أخرى. أنا أبحث باستمرار عن أساليب جديدة وموضوعات جديدة. يجب أن تصبح القصص والروايات أكثر دقة وقوة من قبل. ربما لموهبة بطولية كالتي لدى غونتر غراس لن تكون الكتابة صعبة، كذلك هو الحال مع يان ڨولكرس. بالنسبة لي الكتابة صعبة.
ينبغي أن يكون العمل الأخير للكاتب كتاباً صغير الحجم عن الحجر الذي رآه ملقى في حقل عندما توقف القطار على نحو غير متوقع بين بيربينيو وبرشلونة، على سبيل المثال. ربما سأكتب هذا الكتاب في وقت ما.
يُشاع أن الكاتب شخص يمكنه الكتابة على نحو أسهل من الآخرين. لكن العكس هو الصحيح. الجميع يكتب على نحو أسهل مما يفعل الكاتب؛ الجميع يكتب الرسائل والملاحظات والمذكرات يومياً.
فحين يطلب مني كتابة إضافة ما في الكتاب، أجده أمراً فظيعاً. أبحث عندها عن جملة وأنا أتألم، وحين أكتبها أخيراً، يتضح بأنها لا تتماشى مع ما كُلفت به. وكذلك كتابة الرسائل تتطلب مني مجهود أكبر.
عندما أجلس خلف مكتبي، يجب أن يحدث شيء ما. لا أسمح بتدفق الجمل المكررة، يجب أن يتم الأمر بصعوبة. تكاد الكتابة أن تكون استحالة الكتابة. ولهذا فإن أفضل الكتّاب هو الذي لا يكتب.
پول أوستر
باريس ريفيو: متى أدركت لأول مرة بأنك تريد أن تكون كاتباً؟
أوستر: أدركتُ بعد حوالي عام بأني لن أكون لاعباً أساسياً في لعبة البيسبول. حتى السادسة عشرة من عمري، كانت لعبة البيسبول ربما من أهم الأشياء في حياتي.
باريس ريفيو: عملت في أنواع أدبية مختلفة. ليس الشعر والخيال فحسب، بل السيرة الذاتية والسيناريو والنقد والترجمة أيضاً. هل تبدو نشاطات مختلفة بالنسبة لك، أم أنها مرتبطة ببعضها بطريقة او بأخرى؟
أوستر: مرتبطة ببعضها لكن مع اختلافات مهمة ــ ويجب أن يؤخذ هذا بنظر الاعتبار أيضاً، كما أظن ــ هناك قضية الزمن، ما أسميته بالتطور الداخلي؛ إذ أني لم أنجز أي ترجمة أو كتابة نقدية منذ سنوات عديدة. تلك الانشغالات التي استحوذت عليّ عندما كنت شاباً، منذ أواخر مراهقتي وحتى أواخر العشرينات تقريباً. كلا الانشغالين كانا بخصوص اكتشاف كتّاب آخرين ومعرفة كيف أصبح كاتباً؛ التدرب المهني الأدبي خاصتي، إذا صح التعبير. لقد تلقيت بعض الطعنات في الترجمة والنقد منذ ذلك الوقت، لكن لا شيء أكثر من ذلك يمكن الحديث عنه. آخر قصيدة كتبتها في عام 1979.
باريس ريفيو: ما الذي حدث؟ لماذا تخليت عن الشعر؟
أوستر: وصلت إلى طريق مسدود. لعشر سنوات تركز الجزء الأكبر من طاقتي على الشعر، وبعد ذلك أدركت بأني قد كتبتُ نفسي، وبأني كنت عالقاً. كانت لحظة قاتمة بالنسبة لي. ظننت أني قد انتهيت كاتباً.
باريس ريفيو: مت شاعراً، لكنك ولدت من جديد روائياً. كيف حدث هذا التحوّل برأيك؟
أوستر: أظن أن هذا حدث في اللحظة التي فهمت فيها بأني لم أعد مهتماً بعد الآن، حين توقفت عن الأهتمام بأنتاج الأدب. أعلم أن هذا يبدو غريباً، لكن منذ تلك اللحظة أصبحت الكتابة تجربة مختلفة بالنسبة لي وحين غادرت الشعر أخيراً بعد حزن شديد لحوالي عام، ظهرت الكلمات نثراً. الأمر الوحيد الذي كان مهماً هو قول الشيء الذي يجب أن يُقال. دون مراعاة للأعراف الموضوعة مسبقاً، دون قلق حول ما تعبر عنه. حدث ذلك في أواخر السبعينات واستمريت بالعمل بتلك الروح منذ ذلك الحين.
قضيت معظم حياتي بالغاً جالساً لوحدي في غرفة، أكتب الكتب. أنا سعيد تماماً بذلك، لكن حين شاركت في كتابة فيلم منتصف التسعينات، أعدت اكتشاف متعة العمل مع الآخرين، ربما يعود السبب في ذلك إلى اللعب في العديد من الفرق الرياضية في طفولتي؛ أحب أن أكون جزءاً من مجموعة صغيرة، مجموعة ذات عزيمة، يشارك كل فرد فيها على تحقيق هدف مشترك. ثمة اختلاف بسيط جداً في الواقع بين الفوز في لعبة كرة السلة أو صناعة فيلم. ربما كان ذلك أفضل جزء من العمل في الأفلام بالنسبة لي؛ إحساس التضامن، والنكات التي تبادلناها، والصداقات التي أقمتها. رغم ذلك، بحلول عام 1999 وصلت مغامراتي في صناعة الأفلام إلى نهايتها. عدتُ إلى جحري ثانية لكتابة الروايات؛ لا أرى أي أحد على مدى أسابيع. أظن لهذا السبب قدمت سيري اقتراحها. ليس لأنها فكرة جيدة، بل لأنها ظنت بأني سوف استمتع بالعمل في شيء يشارك فيه آخرون. وكانت محقة؛ فلقد استمعت بالعمل.
باريس ريفيو: هل تقفز في كل اتجاه في القصة عندما تكتب؟
أوستر: لا. كل كتاب يبدأ بكتابة الجملة الأولى وأواصل حتى أصل إلى الجملة الأخيرة. أكتب دائماً في تسلسل، وأكتب فقرة في كل مرة. لدي إحساس بمسار القصة ــ وغالباً ما تحضرني الجملة الأولى وكذلك الأخيرة قبل أن أبدأ في الكتابة ــ لكن كل شيء يتغير مع مواصلة الكتابة. لم ينته أي كتاب نشرته كما كنت أود أن ينتهي. تختفي الشخصيات والأحداث، وتظهر شخصيات وأحداث أخرى مع مواصلة الكتابة. أنت تجد الكتاب أثناء عملية كتابته. هذه هي مغامرة الكتابة. لو أن كل شيء خُطط له سلفاً، لن يكون العمل مشوقاً جداً.
لم أحاول النظر إلى نفسي من الخارج، هذا صعب بالنسبة لي. أنا ببساطة لا أملك المعدات الذهنية للقيام بذلك، على الأقل حينما يتعلق الأمر بعملي. إصدار الأحكام حول ما أقوم به هي مهمة الآخرين، ولا أحبذ افتراض أني أملك إجابة على هذا سؤال يخص تقييم أعمالي. أتمنى ذلك، لكني ما أزال لا أتقن براعة التواجد في مكانين في الوقت نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- باريس ريفيو
- الكتابة – يان بوكر 1980